سعيد حوي

185

الأساس في التفسير

من الله عليهم أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك ؛ لأنها خلقت على الفطرة ، والتمكن من قبول الحق ، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ أي فإيمانا قليلا يؤمنون ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، أو ببعض الوحي ، وقيل القلة بمعنى العدم و ( ما ) في الآية مزيدة أي لا يؤمنون بشيء . وقيل : فقليل منهم من يؤمن ، والأقوى الأول . دلت الآية على أن الإيمان ببعض الكتاب أثر من آثار الطرد من رحمة الله ، وأن سبب الطرد هو الكفر ، وأن من أسباب الكفر اتهام الله ، والتبجح في الوصف الكافر . وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي ولما جاء اليهود القرآن المصدق للتوراة وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أي على المشركين . ذكر ابن كثير عن ابن عباس : « أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه الله من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور ، وداود بن سلمة : يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك ، وتخبروننا بأنه مبعوث ، وتصفونه بصفته ، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم ، فأنزل الله في ذلك من قولهم وَلَمَّا جاءَهُمْ ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ أي فلما جاءهم ما عرفوه من الوحي والنبوة كفروا به بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ أي فلعنة الله عليهم . ووضع الاسم الظاهر بدل الضمير للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم ، أو أن المعنى : أن لعنة الله على كل كافر ، واليهود دخلوا في ذلك دخولا أوليا ؛ لأنهم أحق الناس أن يؤمنوا . بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ الشراء هنا البيع . والبغي الحسد . فصار المعنى : بئسما باعوا به أنفسهم ، باعتياضهم الكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بدلا من تصديقه ومؤازرته ونصرته ، وإنما حملهم على ذلك ، البغي ، والحسد ، والكراهية لأن ينزل من الوحي على من يصطفيه من عباده ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا حسد أفظع من هذا النوع من الحسد لأنه معاندة مباشرة ، واعتراض مباشر على الذات الإلهية فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي رجعوا بسبب سيرهم هذا مستوجبين مستحقين الغضب على الغضب . أي الغضب المترادف ، غضب بسبب ما ضيعوا من التوراة ، وغضب بسبب كفرهم بعيسى وبالإنجيل ، وغضب بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ، ومن ثم فقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ( في الفاتحة ) بأنهم اليهود لأنهم يعرفون الحق ويجحدونه وينحرفون عنه